أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

233

العقد الفريد

قد زرت قبرك في حلي وفي حلل * كأنني لست من أهل المصيبات أردت آتيك فيما كنت أعرفه * أن قد تسرّ به من بعض هيآتي فمن رآني رأى عبرى مولّهة * عجيبة الزّيّ تبكي بين أموات وقال : رأيت بصحراء جارية قد ألصقت خدها بقبر وهي تبكي وتقول : خدّي يقيك خشونة اللّحد * وقليلة لك سيّدي خدّي يا ساكن القبر الذي بوفاته * عميت عليّ مسالك الرّشد اسمع أبثّك علّتي ولعلّني * أطفي بذلك حرقة الوجد من رثى جاريته كان لمعلى الطائي جارية يقال لها وصف ، وكانت أديبة شاعرة ، فأخبرني محمد بن وضّاح ، قال : أدركت معلّى الطائي بمصر وأعطي بجاريته وصف أربعة آلاف دينار ، فباعها ؛ فلما دخل عليها قالت له : بعتني يا معلّى ! قال : نعم . قالت : واللّه لو ملكت منك مثل ما تملك مني ما بعتك بالدنيا وما فيها ! فردّ الدنانير واستقال صاحبه ، فأصيب بها إلى ثمانية أيام ؛ فقال يرثيها : يا موت كيف سلبتني وصفا * قدّمتها وتركتني خلفا هلّا ذهبت بنا معا فلقد * ظفرت يداك فسمتني خسفا وأخذت شقّ النفس من بدني * فقبرته وتركت لي النّصفا فعليك بالباقي بلا أجل * فالموت بعد وفاتها أعفى يا موت ما أبقيت لي أحدا * لمّا رفعت إلي البلى وصفا هلّا رحمت شباب غانية * ريّا العظام وشعرها الوحفا « 1 » ورحمت عيني ظبية جعلت * بين الرّياض تناظر الخشفا « 2 » تغفي إذا انتصبت فرائصه * وتظل ترعاه إذا أغفى « 3 »

--> ( 1 ) الوحف : الأسود . ( 2 ) الخشف : ولد الظبي . ( 3 ) الفرائص : مفرده فريصة ، وهي لحمة بين الكتف والصدر ترتعد عند الفزع .